محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

175

بدائع السلك في طبائع الملك

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وساعدتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر « 275 » قال : وإذا على جانب السهم مكتوب : همدان ، منها رجل مظلوم في حبسك ، فبعث من فوره بعدة من خاصته ، ففتشوا السجن ، فوجدوا شيخا في بيت من السجن فيه سراج يسرج ، وعلى بابه جارية ، وإذا شيخ موثق بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الآية . « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » « 276 » فسألوه عن بلاده ، فقال : همدان ، فحمل ووضع بين يدي المنصور ، فسأله عن حاله ، فأخبره انه من مدينة همدان من أرباب النعم بها ، وأن واليك علينا دخل إلى بلادنا ، ولي ضيعة تساوي ألف ألف درهم ، فأراد أخذها مني ، فامتنعت ، فكبلني بالحديد ، وحملني وكتب اني عاص ، فطرحت في هذا المكان . فقال المنصور : منذ كم ؟ قال : منذ أربعة أعوام ، فأمر بفك الحديد عنه ، والاحسان اليه ، وأنزله أحسن منزل . وقال له : يا شيخ . قد رددنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وما عشنا ، وأما مدينة « 277 » همدان فقد وليناك عليها . وأما الوالي فقد حكمناك فيه ، وجعلنا أمره إليك فجزاه الشيخ خيرا ، ودعا له بالبقاء . وقال : يا أمير المؤمنين أما الضيعة ، فقد قبلتها ، وأما الولاية فلا أصلح لها ، وأما وإليك فقد عفوت عنه . فأمر له المنصور بمال جزيل ، وبر واسع ، واستحله وحمله إلى بلده مكرما ، بعد أن صرف الوالي وعاقبه على ما جناه . وسأل الشيخ مكاتبته في مهماته ، وأخبار بلده ، واعلامه بما يكون من ولاته على الحرب والخراج ، ثم أنشأ المنصور يقول : من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه * يوما وللدهر احلاء وامرار وكل شيء وان دامت سلامته * إذا انتهى فله لا بدّ اقصار « 278 »

--> ( 275 ) ورد البيتان في ديوان الشافعي ( طبعة بيروت سنة 1961 ) ص 96 . ( 276 ) آية 227 م ، سورة الشعراء ، رقم 26 . ( 277 ) ج ، س : مدينتك . ( 278 ) مروج الذهب ، ج 4 ، ص 135 - 137 .